بدأت بناصر

23 مايو  2011

كتب المعلق البريطاني توماس ملين في «الغارديان» ان مصير العرب (الانظمة العربية) ستحدده مصر وليس ليبيا او غيرها، واضاف ان تمكن المصريون من بناء نظام ديموقراطي شعبي فإن الانظمة الدكتاتورية في المنطقة ستتساقط مثل احجار الدومينو! وهذا صحيح الى حد كبير، فهذه الانظمة التي شاعت في المنطقة، في العقود الخمسة الماضية، ما كان لها ان تستمر لولا استمرار «الشقيقة مصر» في دكتاتوريتها العسكرية، عهدا بعد آخر، فقد وصلت شعبية جمال عبد الناصر، بعد الهزيمة 67 الكبرى الى اوج لم يبلغه زعيم آخر، وكان باستطاعته وقتها تحويل مصر الى نظام ديموقراطي بعيدا عن دكتاتورية العسكر، والسماح بحزبين سياسيين مثلا واجراء انتخابات حرة والترشح لها وهو مطمئن بأن المصريين سيختارونه رئيسا المرة تلو الاخرى، حتى «يزهق»! ولكن خطيئته كانت في اختياره استمرار الحكم الفردي المطلق في ظل قانون طوارئ صارم ونظام مخابراتي شديد السطوة والفساد، وهذا جر ع‍لى مصر وبقية دول المنطقة الويلات والحروب والمآسي وحطم نفسيات شعوبها! فالقرارات المصيرية كانت تتخذ بناء على اهواء واوهام عنترية شخصية، وكانت كل هزيمة اقتصادية او عسكرية تدفع الحاكم الفرد لتشديد قبضته اكثر على الحكم، واذلال الناس من خلال اكثر اجهزة الامن والمخابرات وإلهائهم بـ«التافه» من الامور، كالرياضة وحفلات الست، او تجويعهم واشغالهم بتأمين لقمة العيش.
ان استمرار اختيار القيادات العربية والعسكرية السابقة، وفي مصر بالذات، للدكتاتورية كنظام حكم جاء بسبب طبيعة هؤلاء ونشأتهم العسكرية، فهم لم يعرفوا طريقة افضل للحكم! كما لم يعرف عن المحيطين بهم، من امثال محمد حسنين هيكل، انهم حاولوا ولو مرة اسداء النصح لهم بالتحول للديموقراطية، فلم يرد في اي من كتابات هيكل، منظر ومثقف النظام الاقرب لقلب واذن الرئيس ناصر، انه ناقش رئيسه او نصحه باتباع النظام الديموقراطي في الحكم، ان لم يكن قد شارك شخصيا في تكريس الدكتاتورية في عهد رئيسه ومن جاء بعده! وتقاعس ناصر في التحول نحو نظام اكثر ليبرالية هو الذي تسبب في نهاية الامر في ان تدفع الدول العربية، بما فيها مصر، ثمنا باهظا للحصول على حريتها والتخلص من الجاثم على صدرها، وهو ومن سبقه، هم الذين حولوا شعوبهم الى مجموعة من الهتيفة المهزومين الصاغرين الأذلاء.