نصيحة سفير

9 حزيران  2011

«..نعم، إن العالم كبير، إن العالم ضخم، وهو كذلك في النهار أيضاً ، حين يشتعل وادي فيشيغراد بالحرارة، وحين يكاد يسمع المرء صوت نضج سنابل القمح التي تغطي الوادي، وحين تتراءى المدينة بيضاء ناصعة منتشرة حول النهر الأخضر، مسدودة بالروابي السوداء، وبذلك الخط المستقيم، الجس. ولكن في الليل، في الليل وحده، حين تحيا السماوات مرة أخرى وتتوهج، إنما تنكشف اللانهاية والقوة الجبارة في هذا العالم، الذي يضيع فيه الإنسان الحي، ولا يستطيع أن يدرك نفسه ولا المكان الذي يمضي إليه، ولا ما يريد ولا ما الذي يجب عليه أن يفعله، في الليل وحده إنما يحيا المرء حقاً، حياة هادئة طويلة: في الليل، ما من كلمات تربط الإنسان ربطاً ثقيلاً مدى الحياة، ما من وعود قاتلة، ما من ظروف لا مخرج منها، ما من مهلة قصيرة تجري وتنقضي بغير رحمة، من دون أن تفضي إلى غير الموت أو العار مخرجاً، أجل ليست حياة الليل كحياة النهار، ففي الليل كل شيء حر لا نهائي غفل أخرس». فقرة جميلة، بنظري، من رواية «جسر على نهر الدرينا» لليوغوسلافي إيفو أندريتش، الحائز على «نوبل للأدب»1961، وهي الرائعة التي سبق أن قرأتها عام 1958 ، ولكن السفير، المتعدد المهارات والمواهب، محمد خلف نصحني بإعادة قراءتها بطبعتها الجديدة الصادرة عن مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وكانت نصيحة في محلها، فقد استمتعت بالرواية بشكل غير عادي، وعرفتني أكثر بخلفية ما يدور في تلك المنطقة من صراع قاس وطويل، الذي سوف يستمر طالما بقي التعصب الديني الأحمق هو المسيطر على أفكار الكثيرين منا!