كلمات النوري

12 حزيران  2011

عندما بدأت في قراءة كتاب «في مرابع الذكرى» للأستاذ أنور النوري وجدت فيه رتابة، فقررت التخلي عن قراءته، فقد تعلمت، ولو متأخرا، أن أتخلى عن قراءة اي كتاب، بصرف النظر عما قيل فيه من مدح وما فاز به من جوائز، فالعالم يزخر بملايين الروايات والدراسات والسير الشخصية والتجارب الرائعة التي تستحق القراءة، وبالتالي يجب عدم تضييع الوقت في قراءة ما يجعلنا نشعر بالملل، ولكن لا ادري لماذا اصررت هذه المرة على مخالفة انطباعاتي الأولية، بالرغم من أن لا شيء تقريبا يربطني بالمؤلف غير لقاء أو لقاءين قصيرين، إضافة الى اختلاف فكري لا يمكن تجاهله، مع فارق العمر بطبيعة الحال، ولكني سعدت لعدم تسرعي، فقد بدأت صفحاته التالية تشعرني بالاستمتاع والفائدة، وبدأت تجارب الكاتب وأسلوبه الواضح والصريح يظهران حقيقة معدنه، وما يود إيصاله لأكثر من طرف، وبدأت معارفه وتجاربه التي اكتسبها على مدى سنوات تظهر، وخاصة في العمل الحكومي ومع «السلطة» وخارجها، في مجالي التربية والتعليم والصحة. وبيّن، بقصد أو بغيره، أن الوزير في الكويت «موظف كبير»، في ظل رئيس وزراء مهيمن، وهذا ما دفعه ربما، في مرحلة تالية، للزهد في العمل الحكومي السياسي!
أعتقد أن أفضل ما تضمنه الكتاب كم الرسائل المباشرة التي قام إما بإرسالها، مواربة أو بصراحة ووضوح تامين، لمن يعنيهم الأمر، على قلتهم وكبر أهميتهم.
كما تبين لي، من مجمل ذكرياته وتجاربه الدراسية وغيره، أن سياسة وزارة التربية والتعليم المتعلقة بالابتعاث إلى الخارج لتلقي التحصيل العلمي، كانت ولا تزال، على مدى نصف قرن، تشبه قصة صاحب المصنع الذي أرسل مجموعة من أبنائه للخارج لتعلم حرف الصنع المتعددة وتولي إدارة المصنع من بعده، ليتخلص من العمالة غير الماهرة لديه، ولكن بعد مرور سنوات الدراسة وعودتهم إلى وطنهم اكتشفوا أن والدهم، الذي أصبح كهلا، نسي سبب إرسالهم لتلقي الدراسة، وهنا ذهب كل ابن ليعمل في المجال الذي يناسبه، وبقي المصنع على وضعه البائس السابق، وبعمالته المتواضعة المهارات نفسها.
كتاب أنور النوري جدير بالقراءة، ليس من الجيل الجديد فقط بل ومن الإدارة الحكومية «العليا» بالذات. ويكفي مؤلفه فخرا أنه وضع تجاربه الواسعة ضمن دفتي كتاب قيم، وهذا ما فشل فيه الكثيرون الذين غادرونا من دون أن نتعلم أو نعرف شيئا مما مروا به من تجارب.