هل هناك حضارة إسلامية؟

7 يوليو  2011

اشتهر المفكر الراحل أحمد البغدادي بمقولة إن المسلمين هم الوحيدون في العالم الذين ينسبون الحضارة إلى دين، فلا هناك حضارة إسلامية ولا بوذية أو يهودية او مسيحية! فالأديان لم تأت لتبني حضارات وتخترع وتشيد الصروح، بل لإبلاغ دعوة! ولو نظرنا إلى حضارات العالم القديمة، وحتى الحديثة منها، لما شاهدنا صلة وثيقة ومتداخلة لأي منها بدين معين، بالرغم من اعتناق أصحاب الحضارة لدين أو آخر. فالفراعنة وبلاد الرافدين القدماء وشعوب المايا والأزتك تركوا وراءهم شواهد واضحة تبين حضارتهم، ولكنهم لم يتركوا دينا يتبع من بعدهم. ولم يعرف عن المسلمين أنهم تركوا كغيرهم آثارا حضارية، فالمسجد الأموي الأكثر قدما بين المواقع الإسلامية، كان كنيسة ارثوذوكسية، وآثار اسبانيا لم يعرف أنها صممت أو بنيت من المسلمين، وغالبيتها بنيت لأغراض غير دينية، فهي، بتصاميمها وموادها وعمالها إسبانية معجونة بثقافة البربر الأمازيغ، والدليل على عدم علاقة الحضارة بالدين أننا لا نجد في مهد الإسلام أي اثر أو معلم حضارى، سواء في المباني أو في الأنشطة الثقافية والفنية، وربما يكون فن الشعر هو الوحيد الذي نبغ فيه العرب المسلمون، لأنه الوحيد تقريبا الذي لا يحتاج إلى مدرب أو مبنى أو مدرسة أو مطرقة او لون وريشة ووتر وآلة عزف! نقول ذلك ونضيف بأن الحضارات المعروفة كافة ارتبطت ونسبت إلى مناطق وثقافات جغرافية معينة، كالفرعونية والسومرية، ولكن لا يمكن نسبتها إلى دين أو معتقد. أما ما يقال عن «اختراع» المسلمين للصفر فلا يركن لأي دليل مادي واضح، وغير معروف حتى اسم من ينسب إليه الاختراع، أو حتى المنطقة التي اخترع فيها، وحتى إن صح ذلك فلا يعني الأمر وجود حضارة! كما أن الشيء ذاته يقال عن ترجمة التراث اليوناني القديم، فقد ذكر المرحوم البغدادي أن الترجمة قام بها غير المسلمين، من اشوريين ويهود، ممن كانوا يتقنون تلك اللغات الأجنبية، فالمسلمون كانوا اصلا من محرمي دراسات المنطق والفلسفة، وكانوا يعتبرونها من أعمال الزندقة، ولكن تسامح الخلفاء العباسيين، وربما قربهم من الزنادقة، سهل عملية الترجمة والنقل. كما أشك في أن أياً من هذه الأعمال المترجمة، قديمها وحديثها، يدرس حاليا في أي جامعة «إسلامية»! وبما أن الإسلام يجب ما قبله من أديان وثقافات، فإنه كان دوما يمثل الفكر الغازي والماحق، وبالتالي يعتبر التصرف الذي قامت به حركة طالبان من نسف لتمثال بوذا في منطقة بانيان مثالاً على تلك العقلية! كما أن مسجد «بابري» التاريخي في الهند بني على أنقاض معبد هندوسي، وعندما قام متطرفو الهندوس قبل سنوات بهدمه ثار خلاف بين الطرفين دفع المئات أرواحهم فيه، ثم صدر حكم بتقسيم الأرض بين أتباع الديانتين، ليصبح المعبد مجاورا للمسجد!
ولو راجعنا آراء السلف في العلماء الذين يفتخر بهم العرب والمسلمون وينسبون إليهم «حضارتهم» مثل الرازي وابن سينا والبيروني والفارابي وابن برد وابن الرومي وابن عربي وابن رشد، لوجدنا أن لا أحد من هؤلاء يعتبر مسلما في نظر السلف!
ليس القصد من هذا المقال التهجم، بل الحث على أن نبحث في تاريخنا ونصلح منه، ونبتعد عن الفارغ من الادعاءات.