فرنسا والأرمن

21 فبراير  2012


لا يميل البعض للفرنسيين، لعنجهيتهم أو لأسباب أخرى، إلا أنهم شعب مبدع وخلاق، ولهم إسهامات لا يمكن نكرانها في مجال التشريعات ونشر مبادئ الحرية والمساواة. ويقال إن الفرق بين الفرنسي والإنكليزي، وخاصة أيام الاستعمار، أن الأول يدخلك بيته وناديه، ويتساوى معك في كل شيء، شريطة أن تتكلم لغته. أما الإنكليزي فلا يبالي إن تحدثت بلغته أم لا، فهو لا يجبرك على ذلك، ولكنه لا يقبل بك ندّاً له، ويرفض إدخالك ناديه، أو مساواتك بنفسه، وهنا نجد أن الشعوب التي استعمرتها فرنسا تتكلم الفرنسية غالبا، وعكس ذلك في المستعمرات البريطانية. مبادئ الحرية والمساواة الفرنسية دفعت فرنسا كذلك إلى منع طلبة المدارس من استخدام أو لبس أي رموز دينية، كالنقاب والحجاب وتعليق الصلبان أو ارتداء القلنسوة اليهودية. كما سبقت فرنسا العالم في تشريع منع المرأة المنقبة من التواجد في الأماكن العامة. وفي يناير الماضي أقرّت فرنسا قانونا يجرّم إنكار حقيقة تعرّض الأرمن للإبادة الجماعية في مطلع القرن الماضي على أيدي العثمانيين، علما بأن قانون العقوبات التركي يجرّم كل من يؤكد وقوع مثل هذه الإبادة الجماعية على أراضيها! وقد دفع عدد من مثقفي تركيا ثمنا غاليا لمعارضتهم هذا القانون. وقد أقرّت فرنسا هذا التشريع بالرغم من تجميد أنقرة لتعاونها العسكري والسياسي معها، وأنكرت أن صدور القانون كان لترضية الناخبين من أصل أرمني، فوجود 500 ألف منهم يقابله وجود 600 ألف تركي فيها، ثلثهم فرنسيون! كما أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يقارب 15 مليار دولار، ولا يمكن لدولة كفرنسا بملايينها الستين الانحياز لبضعة آلاف صوت على حساب مبادئها، علما بأن القانون عرّض استثمارات شركات فرنسية كبيرة في تركيا للخطر، وقالت فرنسا إن تركيا عليها إنهاء الموضوع والاعتراف بالإبادة، التي تشهد لها بادية الشام وعشائرها الذين آووا الأرمن عام 1915 في دير الزور والشدادية والرقة والحسكة وغيرها. ويذكر أن 22 دولة في العالم قد اعترفت بالإبادة العرقية للأرمن، منها روسيا ولبنان و41 ولاية اميركية و9 منظمات دولية. ويتهم الأرمن الأتراك بقتل ما يصل إلى 1.5 مليون، منهم بين عامي 1915 و1916 عبر مخطط إبادة جماعية على أيدي «حزب الاتحاد والترقي»، الذي كان يهدف إلى توحيد الدول التي تنحدر شعوبها من أصول تركية في آسيا الشرقية وربطهم بالسلطنة، بدلاً من التوجّه نحو العرب شرقاً. وترفض تركيا استخدام عبارة «إبادة»، واصفة ما حصل بالأحداث الناتجة عن مخطط نقل الأرمن من هضبة أرمينيا إلى البلاد العربية، عقابا على تعاونهم مع الروس ضد السلطنة، وأن عدد الضحايا لم يزد على 300 ألف شخص(!)، وأنهم وقعوا في أعمال خطف وسلب على طريق القوافل من قبل عشائر تركية وكردية وعربية! ويقول أحد الأطباء إنه لاحظ وجود الكثير من الجينات الأرمنية لدى أبناء القبائل العربية، وخاصة في منطقة شمال الجزيرة، خاصة أن الكثير منهم يحملون ملامح واضحة تؤكد ذلك نتيجة حالات التزاوج الكبيرة التي حدثت إبان وقوع المجزرة وتشرد الأرمن بين المدن والقرى والصحاري العربية.