أدونيس.. المفترى عليه

28 نوفمبر  2012

«..يا قارئ خطي لا تبك. على موتي.. فاليوم أنا معك وغداً في التراب.. فان عشت فاني معك وان مت فللذكرى.. ويا ماراً على قبري لا تعجب من أمري بالأمس كنت معك وغداً أنت معي.. أمـــوت ويـبـقـى كـل مـا كـتـبـتـــه ذكــرى فيـا ليت كـل من قـرأ خطـي دعــا لـي..»!

فاز الشاعر السوري، العالمي علي أحمد سعيد اسبر، المعروف بـ «أدونيس» المولود عام 1930 مؤخرا بجائزة «غوته» الألمانية المرموقة والتي تمنح كل 3 سنوات لمن تعكس أعماله روح غوته العظيمة. ووصفه مانحو الجائزة بأنه الشاعر العربي الأهم في العصر الحديث.
لم يعرف أدونيس المدرسة النظامية الى أن بلغ الـ14 من عمره، وحفظ القرآن صغيرا كما حفظ عددا كبيرا من قصائد القدامى. وفي 1944 القى قصيدة من شعره أمام شكري القوتلي، رئيس الجمهورية السورية حينذاك، نالت الاعجاب، وكانت تلك نقطة التحول الأكبر في حياته، حيث أرسلته الدولة الى المدرسة العلمانية الفرنسية في طرطوس، وتخرج بعدها في جامعة دمشق عام 1954 مجازا في الفلسفة، ونال الدكتوراه في الأدب من جامعة القديس يوسف في لبنان، الذي هاجر إليه عام 1956، ولكنه اضطر لتركه والعيش في باريس بعده. وقد أثارت أطروحاته وكتابه «الثابت والمتحول» سجالاً طويلاً، وحصل على جوائز عالمية عدة، قبل جائزة غوته، وكُرّم من كثير من الدول وتُرجمت أعماله الى ثلاث عشرة لغة. يعتبر الكثيرون أدونيس من أكثر الشعراء العرب اثارة للجدل، فمنذ أغاني مهيار الدمشقي، استطاع بلورة منهج جديد في الشعر يعتمد على توظيف اللغة بطريقة مبدعة تختلف عن الاستخدامات التقليدية لها، من دون أن يخرج شعره أبداً عن اللغة العربية الفصحى ومقاييسها النحوية. وأدونيس مرشح منذ فترة لنيل جائزة نوبل للآداب، وهو يعتبر، اضافة الى منجزاته الشعرية ودراساته العميقة، واحداً من أكثر الكتاب العرب اسهاما في المجالات الفكرية والنقدية. وسبق أن قامت الكويت بنشر الكثير من مؤلفاته وتراجمه، ولكن كان ذلك في زمن الحرية والعز والانفتاح، اي في سبعينات القرن الماضي، وهو أخيرا فنان رسم ويجيد الرسم بالكولاج.
وبالرغم من أن الشاعر أدونيس هو من أفضل مفكري العرب، واكثرهم صراحة في القول، وهذه علته، الا أنه لم يلق ما يستحق من تكريم من اي دولة عربية! فهو أبعد ما يكون عن صالونات النخبة وأساليب التملق، كما أن آراءه في الدين والدنيا والحياة واضحة ومستقيمة تخلو من الالتواء، وهذا ما أخاف الكثيرين منه، اضافة الى خوفهم من ثقافته العالية التي تجعله فردا شاذا في مجتمع لا يقرأ، ومن هنا جاء اهمالنا له، وبالتالي افتراؤنا عليه، ولكن عندما يفوز غدا بجائزة نوبل للآداب، وهو أمر مستحق منذ فترة، فاننا سنلتفت إليه حينها، ونتمنى ألا يكون الوقت قد فات، فقد تجاوز هذا الرجل الكبير، علما ومقاما، الثمانين من عمره الجميل والمثمر!.