اليوسفي والتحدي الكوري

4 مارس  2012

يتحدث الكاتب والباحث مالكولم كلادويل الصحافي في «نيويورك تايمز»، في كتاب له بعنوان «The Tipping Point»، عن لحظات في حياة أفراد ومؤسسات وشركات طرأ فيها انقلاب كبير، قلب مقاييس كثيرة وادى ذلك إلى نشوء أو اختفاء منتجات أو ثروات هائلة خلال لحظات! ومن تجربتي الشخصية أجد أن المثال ينطبق على كثيرين في الكويت، ومنهم المرحوم عيسى اليوسفي! فقد عرفت هذا الإنسان الكبير والكريم، وأنا طفل، من خلال صداقته لوالدي، وكنت في منتصف خمسينات القرن الماضي ازور محله الصغير الواقع في السوق الداخلي، مركز غالبية تجار الكويت وقتها، ومنهم وكلاء كثير من الأجهزة الكهربائية الاميركية والأوروبية المعروفة مثل: وستنغهاوس وباي وغيرهما. ووفق ما فهمت وقتها أن مندوبا لشركة اجهزة كهربائية يابانية انتهت به قدماه المتعبتان إلى محل المرحوم اليوسفي، بعد أن يئس من ان يجد من يقبل بأن يكون وكيلا لمنتجات شركته في الكويت. والسبب ألا أحد وقتها كان على استعداد لأن يقبل بمثل هذه المغامرة، فقد كانت المنتجات اليابانية «مضحكة» في سرعة تلفها، وكانت مصدر سخرية، مقارنة بمتانة مثيلاتها الأوروبية والأميركية. ولكن اليوسفي قبل التحدي، وكانت تلك نقطة الانقلاب، او التحول في حياته، فذلك البائع لم يكن غير ممثل شركة «باناسونيك» العملاقة!
ما واجهته المنتجات اليابانية من صعوبة في تقبل المستهلك لها واجهته البضائع الكورية بعدها ببضع سنوات، مثلها مثل منتجات هونغ كونغ والصين، ومن يصبر قليلا سيجد ان منتجات هذه الدول ستغرق جميع الأسواق لا محالة في المقبل من السنوات. ولكن ما يهمنا هنا هو الحديث عن «المعجزة الكورية»، فخلال أقل من 50 عاما، وبعد حرب أهلية طاحنة فقدت فيها كوريا أكثر من مليون قتيل وجريح، بدأ بناء الدولة من تحت الصفر بكثير، وبالرغم مما تبع توقف الحرب من انقلابات عسكرية واغتيالات وفضائح، فإن الكوريين، بالرغم من تاريخهم المتواضع، وعدم تبنيهم لأي رسالة سماوية، اثبتوا للعالم ان المحك ليس الثراء ولا السمعة ولا التاريخ «الحضاري»، بل الإنسان، وأن المواطن لا يمكن أن ينتج خيرا إن لم يشعر أن له دورا في بناء الدولة، وليس «فردا من الرعية»، وبأنه سيبقى على الهامش إن انتظر معجزة من السماء لكي تنتشله من مشاكله وحروبه وبؤسه. وقد اعتمدت كوريا في تقدمها المستمر على مدى نصف قرن على عاملين، مناهج دراسية علمانية صرفة، تعتمد على المنافسة الشرسة، وثانيا قوة عمل مدربة بمستوى عال، وهما مفتاحا النجاح لأي مجتمع صناعي.
وقد بدأ التسارع في التقدم قبل عشرين عاما فقط عندما انتخبت كوريا اول رئيس مدني لها عام 1992، في أول انتخابات حرة بعد ثلاثين عاما من الاضرابات والاعتصامات والانقلابات، ومن هنا بدأ التطبيق الفعلي لليبرالية، ومنها حدثت نقطة التحول الحديثة مع حريات النشر والتعبير والتجمع، فبغير شعب حر لا يمكن بناء دولة حديثة! والكلام لكم يا نواب مجلسنا الذين حضرتم إلى المجلس، وفي جيب كل منكم أقلام شطب وكمامات خنق وأصفاد وسلاسل تريدون بها القضاء على حرية التعبير، وتغطية العيون وربط الأيدي وإغلاق العقول، ومنع حتى التفكير، طاح حظهم!