جبل الجليد

7 مارس  2012

معلوم ان مغريات الحياة ومباهجها يمكن ان تليّن اكثر المواقف صلابة، خاصة ان كان صاحبها يشكو من حرمان مزمن، ويبدأ اللين عادة مع وصول المحروم، وخاصة ان كان مغاليا في تدينه، إلى السلطة. هنا نجد انه يدخل في صراع بين ما يتطلبه مظهره الخارجي منه، وسابق المغالي من آرائه، وبين المغريات التي اصبح باستطاعته الحصول عليها بحكم وضعه الجديد. هنا لا يجد امامه غير الكذب والرياء!
قصة او حالة النائب السلفي المصري، عضو حزب النور، انور البلكيمي لا تختلف عن قصص غيره من المتصدين للدعوة والنصح والارشاد، ممن «وصلوا»، ولا يزال طعم الحرمان القديم قابعا تحت ألسنتهم، فقد اضطر هذا النائب ليس إلى تلفيق قصة قيام جماعة بالاعتداء المسلح عليه، وسلب مائة الف جنيه منه فقط، ان بسبب مواقفه او لغير ذلك، بل وقام بالتستر على فعل يمنعه «جديد» تدينه من القيام به اصلا، وقام بكل ذلك بغباء مفرط ومتوقع، وهذا ما سبق ان اثبتته التجارب من افتقاد المغالين في مواقفهم لما يكفي من «الآي كيو»، حيث روى حادثة سهلة الانكشاف، وكان بإمكانه الادعاء بسقوطه في الحمام على وجهه وكسر عظمة انفه مثلا، ولكنه لفق قصة الاعتداء، لكي يضرب عصفورين بحجر، اولا لكسب تعاطف الناس معه، وثانيا للتغطية على فعل محرم، فحزبه السلفي يحرم التلاعب بـ«خلقته»! ولكن الشيخ انور بعد ان اصبح عضوا في مجلس الشعب، واصبحت مباهج الحياة في متناول يديه، اراد ان يكون في «اجمل» صورة، وان يتجمل استعدادا للمرحلة الجديدة، وقصة ضابط الشرطة المصري، في آخر ايام عهد مبارك، الذي تحول الى داعية سلفي في اول ايام المجلس العسكري، ليست بعيدة عن الذاكرة، ولا استبعد ان تكون الغالبية لدينا ولديهم من طينته وإن بأشكال مختلفة.
قصة انور البلكيمي هي مثال صارخ على الوصولية والتلاعب بمعتقدات وعواطف العامة التي لا يعرف كثيرون منهم الفرق بين العود وحرف الالف، والذين اعطتهم «الاقدار» حق فرض من تراه علينا كمشرعين، وهؤلاء لن يكتفوا بتشكيل عقولنا على مقاسات عقولهم، بل وباشروا التخريب منذ اول اجتماع عقدوه في مزرعة لتحديد اولوياتهم كأعضاء في مجلس الامة الكويتي، ولم يكن غريبا ان جميع تلك الاولويات لم يكن بينها اي مشروع انمائي اقتصادي حيوي او صحي او تعليمي!
المهم ان حزب السلف المصري، بهيئته العليا، اكتفى باستقالة نائبه والاعتذار لما سببه موقفه المضحك المبكي من احراج للسياسيين والمسؤولين، الذين قاموا بزيارة النائب في المستشفى، وتناسى الحزب ان «انور بيه»، الذي طار منه لقب الشيخ، لم يكن غير رأس جبل الجليد الذي يختفي تحت مياه آسنة! والمستقبل القريب سيكشف اننا كنا على حق، وان من اختارتهم الجماهير لحكمنا لا يشكون من شيء اكثر من الخواء، والخوارة التي شاهدناها في طريقة الادارة «الخالدة» لإحدى جلسات مجلس الامة الكويتي الاخيرة، خير دليل!