السعدون وشكرابورتي

19 مارس  2012

عمل السيلاني شكرابورتي لدي لسنوات، وكان مسؤولا عن الأمن ومراقبا لمركبات النقل، ومشرفا على العمال ومسؤول صيانة المعدات وحفظ سجلات كل المواد غير التجارية، وأمينا على نسخ مفاتيح أبواب المكاتب والمخازن والخزائن والسيارات، وحتى مفاتيحي الخاصة. ولكنه اضطر فجأة للاستقالة والسفر بسبب مرض زوجته، مما اضطرني لتوزيع مهامه على ثلاثة موظفين وتوظيف اثنين آخرين للقيام بما تبقى منها. اتصل بي بعدها بسنوات، بعد ترمله، طالبا العودة للعمل، وقد سرني ذلك، ولكن صعوبات حالت دون حصوله على «الفيزا» بسبب المشاكل التي واجهها مع مسؤولي السفارة في كولومبو، الأمر الذي دفعني للاتصال عدة مرات بـ«الخارجية» وبسفيرنا وقتها في كولومبو، وبعد اشهر ومعاناة وتكاليف وانتظار ممل وصل شكرابورتي، ولكنه كان إنسانا آخر، فقد نال منه موت زوجته وأثر به حادث المرور الذي تعرض له، واصبح ضعيفا وغير قادر على التركيز وكثير النسيان، و«ما يجمعش»! وعلى الرغم من أنني حاولت الاحتفاظ به لأمانته على الأقل، فإنه قص الحق من نفسه وعاد لوطنه حزينا ومات بعدها بعام!
حادثة شكرابورتي ذكرتني برئيس مجلس الأمة السيد أحمد السعدون، فمن الواضح أنه ليس أحمد السعدون الذي كنا نعرف، فقد تكون نالت منه السنون والأحداث الكثير، وأصبح أكثر ميلا للمهادنة. كما أعتقد أنه في الوقت الذي يشعر فيه بالامتنان لمن أوصله للمجلس، إلا أنه امتنان مشوب بالحذر، فهو بالكاد يشعر بالانتماء لهم، فواضح أنه يعوم في بحر غير بحره ويسير في صحراء غير أرضه، فلا هو بالمتطرف دينيا ولا بالمغالي قبليا، وبالتالي يبدو حتميا صدامه مع البعض منهم على الأقل، خصوصا ان وجد أنه لا محالة عائد لقديم ثوبه وسابق جلدته، ولكن من الواضح أن العودة اصبحت أكثر صعوبة بعد دوره الأساسي في التكييف المعيب لقرار المجلس السابق المتعلق بقضية اقتحام مجلس الأمة!
أما مشكلة السيد السعدون الأخرى، التي ترتبط بالأولى إلى حد ما، فتتعلق بنوعية فريقه الحالي والذي مكنه من الوصول للرئاسة، مقارنة بنوعية الفرق السابقة التي أوصلته للمكانة نفسها، وشتان بين الاثنين. فالمآخذ والنواقص التي يشكو منها بعض أعضاء الفريق الحالي تبدو فجة ومعيبة وحتى مؤذية، ولا أعتقد أنها تسره، على الرغم من دورها الحيوي في إنجاحه، وهو آجلا أم عاجلا، سيصطدم بها، إن أراد أن يستعيد نفسه ويحفظ وطنه، فحسب علمي أن أجندة هؤلاء وأهدافهم تتعارض، ولو قليلا، مع حساباته وأهدافه. نعيد ونقول إن شكرابورتي عاد لوطنه، ونتمنى أن يعود أحمد السعدون، على الأقل، لمواطنيه، فهو في وطنه لم يغادره، ونتمنى له عمرا مديدا.